وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت .. فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا ..
لا تسير الحياة البشرية إلا بناموس ، ولا يجري هذا الكون العظيم بأفلاكه ومجراته إلا بنظام ، ولا توضع النقاط على الحروف إلا باجتهاد وعمل ، ولا تؤسس الحضارات إلا على قوانين ، وسنن ، وأخلاق ينبغي للمتحضر التحلي بشمائلها . ومن أبرز الأخلاق الحضارية الأصيلة التي تنبني على لبناتها حضارة أمة صدق الوعد ، والوفاء بالعهد المبرم، والاتفاق بين طرفين ، لما في ذلك من احترام للآخر ولجهده ، ولما فيه من إيمان بقيمة الوقت بالنسبة للآخر . فإن لم يستطع طرف ٌ الوفاء بأحد العهود أو التواجد في محضر موعد ما فلا أقل من إخطار الطرف الثاني ، والاعتذار عن عدم الوفاء .
الاعتذار في الوقت المناسب لإنقاذ موقف ثقافة ينبغي علينا تعلم أساسياتها والتعامل معها بطريقة حضارية تكفل الاحترام
ولكن ما يدور في الأوساط الثقافية أحياناً وما يبدر من بعض المثقفين يناقض هذا الخلق الحضاري تماماً ؛ فقد يضرب أحد المثقفين أو الأدباء موعداً ما للقاء بمذيع ، أو معد برامج تلفازية أو إذاعية ، أو صحافي ، وفي الوقت الحرج يتجاهل ذلك المثقف الموعد وكأنه لم يكن ، فيتعمد إغلاق هاتفه المحمول ، أو يتهرب من الاتصالات المتكررة بعدم الرد على ندائها المتواصل ، مسبباً للطرف الآخر إحراجاً وإحباطاً دون أن يكلف نفسه عناء الاعتذار عن الموعد الذي أبرمه بنفسه في الوقت المناسب ليتسنى للإعلامي أن يتفادى الثغرة التي سببها الانسحاب المفاجئ لذلك المثقف من برنامجه ، فيسد الثغرة بفقرة أخرى أو فكرة ثانية . فهل فكرت أيها المثقف في مقدار الحرج الذي تسببه للآخر ، وفي حجم الارتباك الذي تسببه بعدم احترامك لمواعيدك ولقاءاتك ، وهل فكرت في الخسائر المعنوية والمترتبة عن عدم اعتذارك في الوقت المناسب ، وعوضاً عن ذلك تعطي لذلك المنتظر ظهرك وتسير مبتعداً بكل هدوء ، بينما تتركه يغلي على نار الانتظار .. الاعتذار في الوقت المناسب لإنقاذ موقف ثقافة ينبغي علينا تعلم أساسياتها والتعامل معها بطريقة حضارية تكفل الاحترام لكلا الطرفين ، وعدم الإضرار بكليهما ، فلا ضرر ولا ضرار ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق