أستاذ/ هاني الحجي في (كل الوجوه في بلادي تتشابه) وفي عدد العربية التي أوغلت فينا ثقافة لم نكن نعهدها وإبداعاً لم نكن نتلمسه إلا من ينبوعها. في ذاك العدد الذي يحمل رقم 449 كان قلم الأستاذ هاني ينزف حبراً وبحراً.. جلجل الأسماع وأشخص الأبصار وأسدل الستار وأدمى معاقل الأنا في رائعته السندسية، كانت الوجوه في عالم آخر وأمكنة أخرى ترمق ذاك البساط السحري ليحملها إلى ديار الحب والوله والوجدان إلى ذاك الزمن الندي والمكان الرونقي وتلك الأبجدية المرتقبة وهاتيك الساحة اللاساحة. كانت الرائعة العصرية التي حوت كل شيء له صله بالتشكيل والرسم والزخرفة.. ولي مدخل لا أود الخوض فيه لولا أن المركب يسع الجميع وكل ومجدافه الذي يقارع فيه ارتداد الكلم.
(كل الوجوه في بلادي تتشابه) هل هذه النظرة واقعية؟ وهل هذا الجمود صخري؟ أم أن الافتعال حين الانتقال يكاد يقتاد من ربيع القلب أوراقه ويسلب منه حريته ويلقيه في متاهات عنفوانه وأرجوزة مكره بل تشاؤميته، أولم يكن بمقدور الأستاذ هاني اختيار مكان آخر غير البطحاء المليء بالضجيج والهجيج؟ لم لم تكن وجهته التحلية مثلاً؟ أو لأن في البطحاء كل الوجوه وكل الأمكنة وجميع المشارب وشيئاً من الألوان وبعضاً من الخدوش وجزيئات من النعومة وجملة من التوافق والاختلاف، فلب جوهرك يا صاحب الإيجابية قطعاً لا ينبئ عن تصورك وإلا فهي خلجات أبت إلا تملك الحرية وتوحد الذات وتوهج الحرف وتمازج المعنى وتدافع الألف والياء.. في كثير من المواقف غير هذه ألمح في بعض الوجوه سوداوية منتقاة وإن لم تكن كذلك فالرؤية تسودها الضبابية والتعبير في الملامح.. وجوم وتجهم.. تبرم وتوتر.. انفعال وافتعال.. ترى لم كل هذا؟ أنحن بالفعل نشكو من الأنا ثم نبكي أم نتباكى أو يكون للشؤم مدخل علينا ثم لا يسعنا هذا الفضاء برمته أم لأننا بالفأل متعمقون فجاءت الصدمة عكسية لاإرادية ولا سبيل إلى تفاديها غير أن نخوض في متاهاتها صبغة بصبغة ولحظة بلحظة حتى مع اختلاف التوجه والوجوه والتوافق والتضاد.. للبعض الوجوه ليست واحدة بالرغم من توحدها جنساً ولوناً وثقافة ومعرفة فما بالك إذا كان التنافر هو الفيصل بينها.. حتما أنا أقف ضد هذه وبلا تردد كما بعض الأوجه وبعض الألسن والكثير من ذائقي علم الفلسفة يرمزون إلى ذلك الطي ويتحينون ساعة الصفر للانقضاض عليه.. هو فسحة من المكان الضيق ولكنه بمعناه الواسع يتخطى معنى العرف وعليه تندرج تحته كل الأجناس وجميع الألوان وللفأل ساح كبير وللمشاعر والشوارع طباق وجناس وشيء من الأنفس والأنفاس.. إن شئت فدع الصورة تتحدث عن نفسها وتأخذ حجم واقعيتها وإن شئت فتبسم لتأخذك في سلم أولوياتها إلى حيث هي ولكن حذار من التشاؤم حتى ولو دخلت غرفة جارك، فالأمكنة كما الوجوه ولكن الوجوه ليست كالأمكنة.
رابط
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق