ربما تكون حالة بين القطيعة والغياب تلك التي تعيشها العلاقة بين ثقافة الكلمة والصورة في المملكة، فالعلاقة بين منتجي الأفلام القصيرة والأعمال الإبداعية شبه غائبة. وبالرغم من ازدياد إنتاج الأفلام السعودية ومشاركتها في المهرجانات المحلية والخارجية وحصولها على الجوائز العربية؛ إلا أن تلك الأعمال لم تتعامل مع النصوص الإبداعية لكتاب سعوديين تضخ لهم المطابع مئات القصص وعشرات الروايات سنوياً، وبعض تلك النصوص حقق صدى وانتشاراً، إلى جانب القيمة النقدية لتك الأعمال بما تحمله من أفكار وأساليب كتابية تجعلها مهيأة لإعادة إنتاجها في فيلم سينمائي.
لكن المتابع للمشهد الأدبي المحلي والمراقب لإنتاج الشباب للأفلام القصيرة يلاحظ أنه رغم ما تحقق من تطور على صعيد الكم والكيف في المنتج الإبداعي والسينمائي إلا هناك حالة قطيعة بين المخرجين والأدباء في إنتاج عمل مشترك باستثناء بعض الأعمال المحدودة مثل تجربة د.سلطان بن سعد القحطاني في تحويل روايته خطوات على جبال اليمن، وغازي القصيبي في شقة الحرية، وتجربة محمد علي قدس في تحويل بعض القصص لكتاب سعوديين إلى أفلام .
وهذه القطيعة تعود للعمل الفردي من قبل المخرجين من حيث الكتابة والتصوير وعدم الاطلاع على التجربة الكتابية للأدباء. أيضاً هناك حالة غياب للعلاقات التبادلية والثقة في القدرات والإمكانات الفنية والإنتاجية بين المخرجين وكتاب السرد، فبينما المخرجون غائبون ثقافياً عن المشهد الإبداعي نجد أن هناك حالاً من التعالي وعدم اعتراف بالتجارب المبكرة للشباب من قبل الروائيين والأدباء.
وفي هذا الملف تستعرض (المجلة العربية) بعض التجارب الروائية السعودية التي تم تحويلها إلى دراما.
لاوجود لعمل درامي دون نص مستفز
عن بدايته في تحويل السرد إلى أعمال درامية تحدث القاص محمد علي قدس قائلاً: كانت مع الدراما الإذاعية، سواء السهرات أو السباعيات.حيث قدمت خلال عشرين عاماً أكثر من ثلاثين سباعية وقرابة خمسين تمثيلية،كلها من تأليفي أو مقتبسة من نصوصي القصصية التي نشرت بداية من (نقطة الضعف) إلى (ما جاء في خبر سالم). أما البرامج التمثيلية والمسلسلات الإذاعية فهي ست مسلسلات أشهرها (مرايا ناطقة)، (تمرة وجمرة) و(مقامات الزمان في رمضان). وكما هو معروف هناك فرق كبير في معالجة النص درامياً للإذاعة و بين الدراما التلفزيونية.
ويتابع: الدراما الإذاعية تحتاج للحوار والمشاهد المسموعة، وتجسيد المواقف عبر المؤثرات السمعية. أما كتابة الدراما التلفزيونية، فهي بحاجة لتكنيك يقوم على الحوار وجو الحوار وهو ما يسمى بالسيناريو، حيث يتم الاعتماد على المؤثرات السمعية والبصرية ورسم المناخ وتضاريس المكان. ولكل فن تكنيك ومهارات خاصة لمعالجة نص مكتوب للدراما.
ويرى قدس أن العلاقة بين القصة أو الرواية وبين الشاشة الفضية والسينمائية علاقة تقوم في بنيتها على النص القصصي أساساً، موضحاً: لا يوجد عمل سينمائي أو دراما تلفزيونية جيدة إلا بوجود نص قصصي مستفز وجيد. فأعمال أدبية عالمية مشهورة كـ(ذهب مع الريح)، (مرتفعات وزرينج)، (العجوز والبحر)، (جين إيير)، (البؤساء)، (شيفرة دفنشي)، و(المحاربون الثلاثة عشر).. وغيرها من الأعمال العالمية أنتجت للسينما بشكل رائع .أما عربياً فهناك أعمال كثيرة لطه حسين ويوسف السباعي ويوسف إدريس وإحسان عبدالقدوس، ونجيب محفوظ وهو الأديب العالمي الذي أعد سيناريوهات لمعظم قصصه التي تحولت لشاشة السينما. وأخيراً قصة أحلام مستغانمي (ذاكرة الجسد).
ويضيف: ليس كل نص قصصي يصلح للمعالجة الدرامية، فالنص لابد أن يكون غنياً بالأحداث والشخصيات، لكن السيناريست أو كاتب السيناريو يستطيع تحويل قصة قصيرة لفيلم سينمائي متعدد الشخصيات مليء بالمفاجآت.كما حدث لقصص (الشموع السوداء) و(الكيت كات). وما حدث لرواية (ذاكرة الجسد) التي قالت عنها كاتبة السيناريو ريما حنا إنها عانت كثيراً؛ لافتقار العمل لزخم الأحداث والشخصيات المؤثرة غير البطل والبطلة. لذلك غالباً ما يعترض الأديب على تحويل قصته لعمل درامي أو سينمائي،حيث أن كاتب النص للسينما يعتمد على رؤية سينمائية أو درامية مختلفة. وهو ما يستدعي إعادة صياغة النص وبناء أحداث وشخصيات تنتجها الأحداث المتطورة. وهي دائماً نقطة الخلاف بين كاتب القصة وكاتب السيناريو.
وعن تجربته في تحويل الأعمال السردية إلى دراما يقول: تجربتي كما ذكرت مستقاة من خبرتي في الدراما الإذاعية، أما عن تجربتي مع الدراما التلفزيونية فهي بدأت عام 2005م حين كتبت مسلسل قصة من الأدب السعودي، وقد أنتجه الفنان محمد بخش للتلفزيون السعودي في ثلاثين حلقة لثلاثين قصة من الأدب السعودي، كانت مصنفة بين قصص الرواد التراثية كقصة أحمد السباعي (صبي السلتاني)، والقصص الحديثة كقصة محمود المشهدي (الريال الفضة) و(التجربة) لعبدالله الجفري، وقصص الحداثة كـ(طارق بليل) لمحمود تراوري و(بياض الفضة ) لعبدالله باخشوين، والقصص الأكثر حداثة ( الجنازة الأخيرة) لخالد خضري و(دق ودفع) لمحمد عجيم. وحالياً أعد للجزء الثاني الذي يتضمن قصصاً لعدد من كتاب القصة، بنفس المستويات: محمد عبده يماني، حسن النعمي، هند باغفار، محمد علوان، محمد مليباري، غالب أبو الفرج، بثينة أدريس، محمد إبراهيم النملة، عبدالعزيز الصقعبي، وشريفة الشملان.. وغيرهم.
ويتابع قدس:لم يسبق أن تم إعداد نصوصي القصصية، خاصة ما أنتج وعولج معالجة درامية للتلفزيون، سوى ما قمت بإعداده شخصياً كقصص (عم حمزة العسة)، و(خالتي رقية)، وقد أعدت الكاتبة المصرية الراحلة عائشة حماد سهرة (عندما يعود الحب) عن قصة من قصص مجموعة (النزوع إلى وطن قديم) عام 1990م للتلفزيون المصري. وقد أعدت حوار السهرة باللهجة المصرية الدارجة.
عوائق اجتماعية
من جانبه يرى الروائي أحمد الدويحي أن العلاقة بين الرواية وبين الشاشة هي علاقة فنية واسعة جداً ومتعددة، فالرواية هي الأرضية البكر للنتاج الفني المسرحي والسينمائي والدراما التلفزيونية. ويضيف: نتذكر في البداية أن روايات كثيرة للكاتب العالمي الفائز بجائزة نوبل نجيب محفوظ وبالذات (الثلاثية) جسدت كثيراً الشارع المصري، ورمزت إلى كل أطيافه وشرائحه وقضاياه المتنوعة. وشرعت السينما أبوابها لكتاب الرواية في مصر وشمال أفريقيا، واستفادت الجزائر وتونس المغرب من الثقافة الفرانكفونية، ونتذكر الرواية العالمية (زوربا) للكاتب اليوناني كازنتزاكي، التي جسد دور البطل فيها الممثل العالمي أنطوين كوين، وأدى دور عمر المختار في فيلم الرسالة، وأحببت أن أشير إلى هذه النماذج من الروايات العالمية لقربها من ذاكرة المتلقي، ولكن بطبيعة الحال ليس من الضروري أن تستنسخ الشاشة كل خيوط النسيج الروائي؛ فالفن السينمائي له خصوصيته الإبداعية، وطريقة معالجته الفنية، وقد لا تغيب عن البال رواية الكاتب الصديق الفنان إبراهيم أصلان، فحينما تم تحويل روايته الجميلة (مالك الحزين) إلى منتج سينمائي، وتم رؤية المنتج الروائي في نصها من زاوية سينمائية مغايرة، كانت تلك إضافة إبداعية ولا تسيء للرواية؛ لأن الفنون الأدبية تتجانس وتتلاقح وتتداول الحضور. وتبقى الرواية فضاء واسعاً يتسع للمسرح والسينما والدراما.
وعن موانع تحويل الروايات إلى أفلام سينمائية يقول الدويحي: كانت الفنون السردية من بداية السبعينات، وبالذات القصة التي كانت حاضرة إلى جانب الشعر بقوة، ومع ماتحمله من فن وامض ومتمرد ومكثف، إلا أن شريحة من المجتمع ترفضها، فهي لم تستوعب صيرورة وضرورة الفن معاً، ونعرف أن بعض كتاب القصة تم التشكيك بهم وبنصوصهم. وحينما حضرت الرواية بكثافة مؤخراً، وخصوصاً بعد الحادي عشر من سبتمر رفعت من جديد لائحة ثلاثي الـ (تابو)، والتي بالضرورة تدخل في النسيج الروائي الموازي للواقع، وطبعاً المجتمع الملتبس ضد الفنون السردية والتشخيص رسماً أو تمثيلاً سيرفض بلا شك تجسد الأفلام السينمائية، ويذكر المتابع الضجيج الذي صاحب مجرد الإعلان عن عرض منتج سينمائي قبل فترة، والغريب أن هذا المجتمع كان يتسامح قبل عقود، ويتم عرض الأفلام السينمائية في بعض المناطق. وأرى أن هذه الريبة تجاه الأعمال الفنية جميعاً، لن تستمر طويلاً.
وحول قناعاته في تحويل رواياته إلى أفلام سينمائية يقول الدويحي: بالتأكيد لا بد من حرية ابتداع رؤية للفنان، فنحن نقرأ لغيرنا ونضيف، ولابد أن نقبل الإضافة الإبداعية السينمائية والمسرحية مع المحافظة على روح النص، ولكن الواقع المقلوب جعل فنون أخرى، تحضر قبل الرواية سيدة الفنون، كالمسرح والمسلسلات التلفزيونية والقصة القصيرة، وبطبيعة الحال حضرت كل الجزئيات والعناصر الفنية الأخرى كالإخراج ، وبصراحة شديدة جداً، أجد كثير من تلك النتاجات الفنية ليست مقنعة، وأفسد الطابع التجاري الاستهلاكي مظاهر البهجة والاحتفاء بالأعمال الفنية وبالذات الموسمية، حيث يكسوها التهريج في شهر رمضان الكريم، فالقصة القصيرة بالذات كفن سردي حاضرة بشكل مدهش من بداية السبعينات، لكن حضورها يكاد يكون معدوماً في المنتج الفني برغم التراكم الكبير. ودعني أسأل: أين الكتابة السردية المحلية عن منتج السرد الجاد خلال عقود؟
ويضيف الدويحي: المسألة ليست مجرد رغبة أو قناعة، بقدر ما هي نتاج حضاري، يمثل مجتمعاً له شرائحه وأطيافه المتنوعة، فالرواية الفن الذي يمثل الشمولية، وتدخل في نسيجها وظلالها الفنون الأخرى، حضرت في هذا المجتمع متأخرة في حراكنا الثقافي والفني، ومجتمعياً ما نزال نؤمن بـ( التابو) المقدس، ونحذر من الرواية التي تحرص على كشف المستور .
و حول تجربته يقول: لا أنسى اللحظة التي صدرت فيها روايتي (ثلاثية المكتوب مرة)، فأجد أن دار النشر تفاوضني على الترجمة وتحويلها إلى عمل درامي، فشعرت بمزيج من الحزن والفرح، ولكني تجاوزت ذلك موقناً أن دوري يتوقف عند كتابة الرواية.
وهذا الشعور عاودني في موقف لا أخفيك إياه، فهناك أخ مخرج عربي معروف، يعيش في باريس ووصلته رواية (مدن الدخان) وقرأها، ووجدته يراسلني بعد ذلك على الفيس بوك، يطالبني بضرورة بعث تنازل له، ليتيسر له إخراجها في منتج فني. ولا حظ أني لو بعثت له التنازل، فسيتم إخراجها برؤية مختلفة، وليس لي حق الوصاية. والنص الروائي يتشكل من نسيج شامل، يدخل في حدوده السياسي والتاريخي والأسطوري واليومي والفنون الأخرى، وتدخل جوانب أو ملامح من السيرة الذاتية في النص الروائي، ولا شك أن حضوري ككاتب قد يكون موجوداً بشكلٍ أو آخر ولو راوياً، وهناك مقولة عن الخطابات المتجاورة في السياق الروائي، لكنّ هناك شيئاً مهماً لا بد من الوعي به، وأعني به عدم التكرار، وقد أصدرت ست روايات ومجموعتين قصصيتين، فالفن الروائي كتابة تختلق الفضاء والشخوص، لتوازي بها عالماً في الواقع ، والواقع ذاته كالتاريخ لا يعيد نفسه.
علاقة نص مقروء ومشاهد
ويتحدث الروائي الدكتور سلطان القحطاني مؤلف رواية (خطوات على جبال اليمن) التي تم تحويلها لمسلسل، يقول كانت تجربة تحويل أعمالي إلى التلفزيون بطلب من المنتج وقناعة الممثلين الرئيسيين في المسلسل، وكذلك المخرج . ويرى القحطاني أن العلاقة بين الرواية والشاشة علاقة نص، مقروء ومشاهد، فإذا كان يتوافر في النص شروط التمثيل الحركي، والكاتب يستطيع أن يحرك هذا النص ليعبر عما يقصده في النص المقروء، فالعلاقة تصبح حميمة، لكن ليس كل نص روائي يصلح أن يكون نصاً مشاهداً.
الموانع التي تمنع النص الروائي من التحويل إلى نص مشاهد كثيرة، منها عدم صلاحية النص للتمثيل، من الناحية الأخلاقية، والاجتماعية، سردية النص التي لا يمكن تحويلها إلى حوارية.
ويؤكد القحطاني أن كل روائي يريد من نصه أن ينتشر بأي طريقة تصل إلى القارئ والمتلقي أياً كان نوعه، ومكانه، وزمانه.
ويقول القحطاني إنه مقتنع بتجربة تحويل عمله إلى صورة تلفزيونية، مضيفاً أن له عملاً جديداً في طريقه إلى الشاشة بعد أن تكتمل خطوات السيناريو والحوار وموافقة الجهات الرسمية على تطبيقه على الأرض.
ويضيف القحطاني: حضوري في العمل التليفزيوني حضور كاتب، لكن ليس كل النص ينزل في السيناريو، هناك مشاهد تدخل على النص بحسب رؤية السيناريست والمخرج، قد تغيب شخصية الكاتب فيها.
تجربة تسويقية جديدة
تجربة فريدة وجديدة قدمها الشاب القاص محمد البشير والمخرج بدر الحمود بصدور مجموعته القصصية وبداخلها (DVD) لبعض قصص المجموعة تم تحويلها إلى أفلام قصيرة. حول هذه التجربة يقول الكاتب محمد البشير: ابتدأت بكتابة القصة القصيرة، والقصة القصيرة جداً، وحين هممت بإخراج مجموعتي القصصية الأولى (عبق النافذة) وجدت نفسي مصدراً لمجموعة قصصية قرأها جل أصدقائي، وسيقتنيها ذات الأصدقاء، ومن أستهدفهم بهذه القصص لن يلقوا لها بالاً؛ لأنهم منفصلون عنها، فمن خلال محاولتي لقراءة هذه القصص على بعض شرائح المجتمع وجدت صدوداً، فليس لهم جلد لمحاولة التلذذ بتأويل النص أو قراءته قراءة متأنية بخلاف من هو مشغوف بهذا الفن، ووجدت خيطاً رفيعاً يجمعني بمثل هؤلاء، فأنا ممن شغف بالصورة مثلهم، ويربطنا رباط واحد في المادة المحببة (السينما) ، فعزمت على أن أحول ما يصلح من قصصي إلى صورة سينمائية، وسعدت بأن ثلة من الشباب عمل في السينما، وتواصلت مع المخرج الشاب (بدر الحمود) وتعاونا سوياً لإخراج عدة أفلام سينمائية منها قصتان من قصص المجموعة (بالونة، تاريخ)، وتحولت الأولى بذات الاسم والثانية حملت اسماً آخر بعد تحولها، فأصبحت (بلا غمد)؛ لتناسب الصورة السينمائية أكثر من السرد القصصي الحرفي. وأعدها تجربة جديدة وخاصة في الجمع بين القصة والفيلم وتسويقهما سوياً.
وحول طبيعة العلاقة بين الرواية وبين الشاشة من خلال التجربة يقول البشير: علاقة متصور ذهني، فلا شك أن الحرف أكثر فسحة من الصورة، فمن يقرأ قراءة صحيحة يتصور ذهنياً، فيرسم ما يراه في خياله، وبينما الصورة السينمائية تخذل أحياناً حين تقيدك وتجسد أبطالك المتخيلين، ولا شك أن الخيال أكثر سعة من تجسيده واقعاً، ولكن في مثل حالتنا العربية أجد السينما ضرورة، فنسب القراءة متدنية جداً، ولا سبيل لنا سوى خوض تجربة السينما لجذب الناس إلى القراءة، فمن سيحب الفيلم سيعلم أنه مأخوذ عن رواية، وربما هي الوسيلة لجذب الناس للقراءة، فلا شك أن نجيب محفوظ حفر اسمه بين المثقفين روائياً وبين الناس سيناريست، وإن لم يتحقق هذا الجذب للقراءة، فيكفينا محاولة إيصال ما نريد بوسيلة أخرى اصطلح الناس على حبها.
ويرى البشير أن أقرب مانع في تحويل الأفلام إلى صورة خذلان السينما، فلا تفي بكل الرواية، وهذه السمة لا يدركها إلا من كتب السيناريو، فلا يجب الخلط بين الرواية والسينما، فالرواية لها أدواتها والسينما لها أدواتها المغايرة، ولا جامع بينهما سوى متن القصة الذي يقبل التحريف لصالح كل فن، فمن قرأ مثلاً (شفرة دفنشي) امتلأ بالقصة وخيبه الفيلم بعدم وفائه لكامل ما قرأه، وهنا يكمن الإشكال، ففي رأيي أن الفيلم جميل كفيلم سينمائي، والرواية رائعة كرواية حفرية معلوماتية راقية، وربما لمثل ذلك كانت خيبة ميلان كونديرا بعد تحويل روايته (كائن لا تحتمل خفته) إلى فيلم سينمائي، ومن خاض الفنين الروائي والكتابة السينمائية يدرك السبب، فلا تجد مثل هذه الحساسية عند نجيب محفوظ مثلاً وهو من كتب الرواية والسيناريو، وكذلك جابريال غارثيا ماركيز الذي حول (إيرنديرا) إلى فيلم بينما علم أن (الحب في زمن الكوليرا) لا يمكن له أن يحولها وهي مليئة بالحرف لا الصورة، فتحولت بعده إلى فيلم بسيناريو رونالد هاورد، ولقيت خيبة عند الهائم بها رواية، ولم يحقق الفيلم تلك الصورة الذهنية التي خرج بها القارئ من الرواية، فهناك أعمال تصلح أن تتحول وأخرى عصية على التحويل السينمائي.
وبسؤاله إن كان يفضل كروائي تحويل عمله إلى فيلم مع اختلاف الرؤية يقول: من يعي أن الرواية فن والفيلم فن سيدرك أن الرؤية في السينما حق لكاتب السيناريو والمخرج، فمن يريد الرواية بأسلوب روائي، فله أن يقرأها وعند ذلك يستطيع أن يتعرف على الروائي، ومن يريد الفيلم سينمائياً فله أن يشاهده وهنا يتعرف على جوقة من العاملين لإخراج هذا الفيلم محركاً بعصا مايسترو تلك الجوقة (المخرج)، فلا خلط بين الفنين على الإطلاق ، فالرواية برؤية كاتبها الأوحد، والفيلم بدفة قائده الأوحد (المخرج) .
ويأمل البشير أن تخرج كافة قصصه (الصالح منها) إلى أفلام سواء بكتابتي شخصياً للسيناريو أو بعمل شخص آخر لها، وإن كان يجد أن الكاتب أقرب لتحويل أعماله سينمائياً إن أجاد ذلك وتعلم مبادئ كتابة السيناريو.
وحول حضوره في النص يقول: أجدني في النص حاضراً أو محضراً لغيري ممن أعرفهم، فالنص قطعة منك شئت أم أبيت، ولن تستطيع الفكاك ولو تبرأت منه، فالبصمة الوراثية والوسائل الحديثة في الكشف عن الـ(دي إن أيه) قادرة على أن تعيدك له وتعيده لك.
رابط
http://www.arabicmagazine.com/arabic/articleDetails.aspx?Id=911
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق